تمسك بيد القارئ الى أمكنة الضوء والأسئلة السهلة. ففي نصها الروائي بساطة السرد والأفكار البعيدة عن التعقيد. الروائية لطيفة الحاج قديح "التي أصدرت أخيراً روايتها الخامسة "شجرة النور" تواصل مد جسور الحكاية الواقعية الى ما بعد الواقع، متمسكة بمقولات الكبار، بأن الرواية هي إبنة المجتمع وخطاب الذات، لها دوره الريادي في التوجيه.
لأنها تمثل الحياة ببعض أشكالها وتفتح نافذة على الأسئلة المشرعة على كل الاحتمالات. وقالت في حوارها مع "الخيمة" أن "شجرة النور" كناية عن أرشيف حافل بالأحداث الأليمة، وهي أحداث واقعية معاشة يوماً بيوم. وساعة بساعة.
وقد ورد العنوان في الرواية مرتين. الأولى دلالة عن البطلين "نور" و"منير" صاحبي مدرسة، أفنيا عمريهما في بناء هذه المدرسة وتأسيسها وتطورها، لينشرا العلم والتربية. والثانية دلالة على قوافل الشهداء والمجاهدين الذين شكلوا في وجه العدو سداً منيعاً.
وما تسميه الرواية بشدرة النور، سوى إشارة الى وجه المقاومة ضد الاحتلال. وهنا يؤثر الانسان وطنه، فيضحي بروحه في سبيل رفعته، وإعلاء شأنه والذود عن حياضه ويحفر طريقاً في الوعي من أجل البقاء وتثبيت الحق.
و"شجرة النور" هي الأمل الوحيد في حلك ذلك الليل المتمثل في اعتداءات العدو الوحشية على لبنان.
وأشارت لطيفة الحاج بأن الرواية لا بد أن ترتبط بشيء ما، هما المكان والزمان. عنصران أساسيان لبناء الرواية. والحدث هو الركن الأساس للشخصيات التي هي ترتبط بها هذه العناصر بشكل محكم، فلا بد من ركيزة ترتكز عليها، ولكن بعكس أن تكون الرواية أيضاً خيالية محضة.
وبعكس أن تكون قائمة على نصف الحقيقة ونصف الخيال وبعكس أن تكون حقيقة مئة بالمئة. ففي "شجرة النور" هناك خبر معاش حقيقي وهناك جزء آخر متخيل، ويعكس القول أن هذه الرواية حقيقية، بمعنى أن الأاحداث التي جرت في الرواية قد جرت بشكل أو بآخر في الحياة.
من خلال تجربتها الروائية ترى لطيفة الحاج أن على الكاتب أن يكتب بصدق وشفافية. لأن الرواية ــ تقول ــ انعكاس للحياة، هي صندوقة الفرجة، بمثابة المنظار الذي يدخله الطبيب الى داخل المريض ليعرف العلة.
وليس بالضرورة أن يستأصل ويلغي ويزيد، بل هي فقط لكي يعرض الأحداث ويستنتج بنفسه ما يجب أن يستنتجه. فالرواية بجب أن تكون لها تأثيرها على القارئ، ويجب أن تربط الحدث الدرامي بالواقع التاريخي وقوة الأدب تكن في تشجيع الحوار وإثارة الأسئلة.
أما الأسئلة التي تقصدها الكاتبة فهي حسب تعبيرها، أسئلة الموت والحياة. الحياة الحرة، الارتفاع والارتقاء بالمثل وصولاً الى النورانية.
في موضوع الرواية الحديثة تحدثت لطيفة الحاج عن واقع هذه الرواية، مشيرة بأنها ولدت ونمت وترعرعت في حضن الروايات التي سبقتها.
وهي لا شك إضافة جديدة الى ملايين المحاولات السابقة انطلاقاً من الكتب السماوية التي تتحفنا بالعديد من القصص والروايات، مروراً بالكنوز الأدبية المعروفة ككتب "ألف ليلة وليلة" ، وقد نجح الكتّاب الغربيون (الأوروبيون) في الاستفادة من التراث القصصي الشرقي والعربي بالتحديد. وكذلك فعل كتّاب أميركا اللاتينية.
أما المؤثرات التي تنسرح على نصها الروائي، فتراها لطيفة الحاج مؤثرات نابعة من الحياة عينها. من الواقع الذي نعيش، كما الحلم الذي نحلم به ــ تقول ــ وهي أي الرواية التي تكتبها تعالج مسائل الانسان المخلوق من مادة، ومن روح وتعالج الأحداث التي يدور الانسان في فلكها بسيطة كانت أم معقدة، وكذلك تنطلق الى ما في تلك الحياة من طبيعة وجمال ورومانسية أو واقعية.
ومن المؤثرات أيضاً، ثقة الكاتب نفسه، سواء الموروثة منها أو المكتسبة، وما يحملها في فكره من معتقدات وفي أعماقه من مشاعر وأحاسيس تفتح دروباً على تلك الروح التي تختفي خلف العالم الظاهر، وتدل حرم أسرار شخصيتها.
كل ذلك له تأثير على النص. والكتابة تتمحور برأي "الحاج" في البحث عميقاً في بئر الذات وتدعونا للتأمل في معنى الأشياء التي تحيط بنا والتي لا ننتبه إليها، إلا عندما نفقدها. كالتأمل في كنه الخالق وفي معنى الحياة وهدفها، في الحزن والشقاء، وفي الزواج والولادة، وفي الامراض والمصائب التي تصيب الانسان.
كما في معنى الموت والغاية منه، وهي تبحث في الحب والسعادة التي هي نسغ الحياة. فالرواية ابنة المجتمع، وهي تعالج ليس فقط المسائل المادية والذهنية والعقلية والروحية للإنسان في زمان ومكان معنيين.
بل تهتم أيضاً بالتحولات الديمغرافية الاجتماعية والسياسية، والتي يمكن أن لا ينتبه اليها الكثيرون، كما أن لها دورها الريادي في تفعيل الخطاب وفي التأثير على النفس.


